تتزايد في الآونة الأخيرة مظاهر الارتباك الإعلامي والسياسي داخل أروقة “حزب الله”، مع تصاعد ما يمكن وصفه بـ”حرب المصادر” وتضارب التصريحات الصادرة عن مقربين من الحزب ومسؤوليه. ويعكس هذا التضارب تعقيد المشهدين الميداني والسياسي، وهو ما بدا جلياً في الأنباء المتباينة بشأن الرسالة الموجهة إلى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.

فقد تسربت معلومات تفيد بتلقيه تطمينات تؤكد أن الحزب لن ينخرط في أي مواجهة عسكرية مقبلة، قبل أن يصدر سريعاً نفي قاطع عن “مصادر مقربة من الحزب”، اعتبرت فيه أن قرار المشاركة من عدمها لم يُحسم بعد، وأن الخيارات الميدانية لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.

ووفق معلومات “صوت بيروت إنترناشونال”، فإن هذا الارتباك المتكرر في إدارة الخطاب الإعلامي ليس وليد اللحظة، بل يعيد إلى الأذهان حادثة إطلاق الصواريخ الستة التي أُعلنت آنذاك باعتبارها عملية ثأرية لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. ففي حينه، سارع الحزب إلى التنصل من العملية ونفي مسؤوليته عنها، قبل أن يعود بعد ساعات قليلة ويعلن تبنيها رسمياً.

ويطرح هذا التذبذب الميداني والإعلامي علامات استفهام جدية حول آلية صنع القرار داخل الحزب، ومدى التنسيق بين أجهزته التنفيذية ومستواه السياسي.

وبحسب المعلومات، يعود السبب الرئيسي لهذه الظاهرة إلى اتساع الفجوة التنظيمية بين القيادة السياسية للحزب وأجنحته العسكرية والميدانية. إذ تشير المعطيات إلى أن الجناح العسكري لم يعد يأتمر بأوامر “مجلس شورى الحزب” بالقدر نفسه، بل باتت خطوط الإدارة والسيطرة الميدانية مرتبطة بشكل مباشر بقيادة “الحرس الثوري الإيراني”، التي تشرف على الجاهزية العسكرية والخطط الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، فرضت قيادة “الحرس الثوري” قيوداً صارمة على التداول الإعلامي في القضايا الميدانية، وحظرت الإدلاء بأي تصريحات أو تلميحات تتعلق بالشؤون العسكرية، مشددة على أن الإعلان عن أي خطة أو عملية عسكرية يجب أن يقتصر على التوقيت والأسلوب اللذين تحددهما القيادة الميدانية المباشرة.

وتتجلى آثار هذا التحول في شواهد متعددة، من بينها إصدار الحزب بيانات تبرؤ وتنصل من عدد من الإعلاميين والمحللين المقربين منه، بعدما تناولوا عبر منصات إعلامية سيناريوهات وخططاً عسكرية مفترضة. ويندرج في هذا السياق ما جرى بشأن رسالة التطمين الموجهة إلى الرئيس بري، إذ جاء تدخل مصادر مرتبطة بالحرس الثوري لنفي الخبر سريعاً، في رسالة حازمة مفادها أن الجناح العسكري يمثل خطاً أحمر، وأن قراراته مستقلة عن أي مساومات أو تفاهمات سياسية محلية.

وتشير هذه التطورات إلى ترسيم خطوط فاصلة داخل الهيكلية التنظيمية للحزب، حيث بات دور المكتب السياسي والقيادات السياسية يقتصر، وفق هذه المعطيات، على إدارة الشؤون الداخلية اللبنانية والملفات النيابية والخدماتية، في مقابل إحكام القيادة العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري قبضتها على الملفات الاستراتيجية والقرارات المصيرية المتعلقة بمساري الحرب والسلم.